الشيخ عبد الغني النابلسي
73
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
[ الزمر : 9 ] . وقال تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] ، فإن كل ذرة من ذرات العالم على الكمال المطلق والجمعية الكبرى ، ولكن اطلاع كل ذرة على نفسها وعلى باقي الذرات يتفاوت ويختلف بالكشف والاستتار ، وهذا مفتاح باب معرفة الكمال والنقصان في العالم ( ولا وقفت الملائكة مع ) جميع ( الأسماء الإلهية ) التي كشف عنها لآدم عليه السلام ( إلا ) الأسماء ( التي تخصها ) مما هي من آثار تجلياتها ( وسبحت الحق ) تعالى ( بها وقدسته ) عن مشابهة الأغيار ، فإن كل اسم إلهي يقتضي تسبيحا للّه تعالى خاصا صادرا من حضرة ذلك الاسم بلسان أثر تجليه الخاص ، واختلفت الأسماء فاختلفت التجليات فاختلفت الآثار فاختلف التسبيح والتقديس ، فأظهر كل أثر ما استعد له من ذلك كما قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] . ( وما علمت ) ، أي الملائكة ( أن للّه تعالى أسماء ) أخر غير الأسماء التي سبحت اللّه تعالى بها وقدسته ( ما وصل علمها إليها ) لعدم جمعها لها ( فما سبحته ) تعالى ( بها ولا قدسته ) وتلك الأسماء الأخر التي ما وصل علم الملائكة إليها هي التي وصل علمها إليها على معنى ما وصل علم كل الملائكة إلى كلها ، وإلا فإن جميع أسماء اللّه تعالى ظهرت بظهور الملائكة ، وسبحت بها ربها وقدسته ، ولم يتعطل اسم من الأسماء ، ويحال ذلك ، ولكن من قبيل مقابلة الجمع بالجمع ، وانقسام الآحاد على الآحاد ، فكل ملك يسبح باسم إلهي خاص لا يعرف التسبيح بغيره ، مع أن كل اسم جامع لكل اسم كما مر ، ولكن جمعا خفيا لا يتنبه له إلا الكامل دون القاصر ، فكل ملك يعلم اسما واحدا إلهيا فهو محجوب به عن غيره من الأسماء ، حتى أن الاسم الغفور والعفو والتواب ونحوها من الأسماء كانت للملائكة قبل آدم أيضا ، لأن القصور في التسبيح ببعض الأسماء دون بعض غير لائق باللّه تعالى ، فهو معصية مغفورة معفو عنها وصاحبها معترف بقصوره عن إدراك حقيقة التسبيح ، فهو تائب وإن لم تشعر الملائكة بذلك لخفائه فيها حتى تفصل بآدم عليه السلام وتبين واتضح فزال عنه الخفاء ، ولهذا كان آدم عليه السلام جلاء مرآة العالم كما سبق ، ثم إن آدم عليه السلام جمع لكل الأسماء المتفرقة في الملائكة ، ولهذا قال تعالى : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ [ البقرة : 33 ] ، أي بأسمائهم التي يسبحون اللّه تعالى بها ويقدسون ، وقد كان كل واحد منهم يجهل الكل فعلم ما لم يعلم ( فغلب عليها ) ، أي على الملائكة ( ما ذكرناه ) من عدم وقوفها مع ما تعطيه النشأة الخليفة وما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية وعدم جمعيتها للأسماء الإلهية التي في آدم عليه السلام غير ما يخصها منها ( وحكم عليها هذا الحال ) المفهوم من جملة ما